السبت، ديسمبر 10، 2016

بين فيلمين




في فيلمي الختم السابع "ذا سيفنث سيل" و الرمادي "ذا جري". بنقابل شخصيتين في عالمين مختلفين وزمنين مختلفين. أوتواي صائد الذئاب المحترف، وانطونيوس بلوك الفارس العائد من الحروب الصليبية.
واللي ببيجمع بينهم عدة روابط وتشابهات، فكل واحد فيهم بيخوض صراعه الخاص مع الإله، ومع الحياة والموت ومعنى الوجود.
أنطونيوس اللي راجع بخيبة من الحرب، واللي قطع آلاف الأميال عشان يرجع وطنه، أول حاجه يقابلها أما يفوق على الشط بتكون الموت. الموت اللي تفاداه خلال سنين قضاها في الحرب بكل ما فيها من أخطار، بعد أما يوصل للأمان يلاقيه في انتظاره.
أنطونيوس مش خايف من الموت، بس عايز يعرف فكرة ولو بسيطة عن الإله، وهل هو موجود ولا لأ، ولو موجود فهتكون المقابلة بينهم بعد الموت شكلها إيه؟. فبيعرض على الموت عرض، بيعرض عليه إنه يلاعبه دور شطرنج، إذا فاز الموت يسيبه، وإذا اتهزم الموت يحصد روحه.
وكأن أنطونيوس بعرضه ده بيعرض سعي الإنسان ومحاولاته في التغلب على الفناء، في إنه يفضل باق، من خلال استخدام الإنسان لأفضل ما يجيده في الحياة عله يبقيه قيدها.

على الجانب الأخر، أوتواي واللي فقد معنى الوجود والحياة بفقد زوجته، واللي حاول ينهي حياته وينتحر، بيلاقي نفسه بعد تعرض طائرته للسقوط في صراع من أجل البقاء. وصراعه بيكون ضد الذئاب اللي هو صائد محترف ليها.
البطلين بيمروا بصراع قاسي في تقديرهم لقيمة الحياة، هل هي تستحق منا إننا نقاتل من أجلها ومن أجل بقاءنا فيها ولا ما تستحقش؟
لكن البطلين عشان يختاروا البقاء كان لازم يكون في معنى لبقاءهم، خاصة إن الاتنين فقدوا أحبائهم بما قد لا يجعل لحياتهم معنى. والمعنى جه من خلال مشاركة أخرين ليهم، أخرين لازم يساعدوهم على البقاء والنجاة من براثن الموت.

أنطونيوس بيكون معاه رفيق، وبينضم ليهم أخرين بيقابلوهم في الطريق. وعشان ينجو هو من الموت، وينجو هؤلاء من الطاعون المتفشي، قرر إن عليه حمايتهم في قلعته، فهناك ربما لا يستطيع الموت أن يطالهم. ونجد أوتواي يقود من نجوا معه من حادث التحطم ليبتعدوا عن منطقة سيطرة الذئاب ربما يكتب لهم النجاة.
لكن انطونيوس واللي معاه ما بتقدرش قلعته تحميهم، وبيدخل عليهم الموت وهم بيبصوا له بأنظار ذاهلة. وكأنه بيقول لهم أنا سمحت لكم توصلوا هنا لأن ده المكان اللي لازم تموتوا فيه. وفي مشهد رهيب يسوقهم أمامه مربوطين في بعض عشان يحصد أرواحهم، في ميعادها، وفي مكانها.

أوتواي واللي فقد كل رفاقه على طول طريق الهروب، بيقرر في النهاية الإستسلام، لكن بيكتشف سخرية القدر، فالمكان اللي وصل له كان وكر الذئاب اللي كان طول الرحلة بيحاول الابتعاد عنهم والهرب منهم.
أوتواي بيقرر يقاتل بعد ما فكر يستسلم، بتتغلب عليه فكرة البقاء، واللي بتمنحه شجاعة وقوة إنه يقاتل الذئب رئيس القطيع، وفي وكره.
وهو بيردد كلمات كان كتبها والده:
Once more into the fray..
Into the last good fight I'll ever know.
Live and die on this day
Live and die on this day

وشوف في النهاية مشهد مبهم لرأس اوتواي فوق جسد الذئب القائد، بما قد يعني إنه انتصر، وبقى.
..
الفكرة هي فكرة الوجود، فكرة إن النهاردة حياتك وموتك.
فكرة توحش غريزة البقاء بمجابهة حي يقتات بك وموت يحيا بموتك، وإنك أحياناً ممكن تستسلم وتيأس من الحياة وتعتقد إن الموت لو جالك هترحب بيه، لكن تلاقي غريزة البقاء توحشت فيك، وتلاقيك بشتى السبل بتحاول إنك تفضل حي.
فكرة إن الظلام الموحي بالموت ممكن يحوي ضوء باهر نابض بالحياة، وإن الضوء الباهر الموحي بالحياة ممكن يسوقك لدرب مظلم مُشبَّع بالموت.
وفكرة إنه أحياناً لازم يكون في مواجهة، لأن الحاجة اللي بتهرب منها لازم هتقابلها، والمقابلة مع الحاجة دي ممكن ما تكونش في الطريق، لأ، ممكن تكون في الوكر بتاعها.
..

الأحد، أكتوبر 23، 2016

رنگ خدا



في الفيلم الإيراني الشهير صبغة الله "رنگ خدا" بنشوف قصة انسانية ممكن تتكرر كتير، طفل أعمى، منقطع "المنقطع في اللغة أو العجي هو من فقد أمه، والغريب أن العجي أو المنقطع، من فقد أمه، أشد بؤساً من اليتيم، أي من فقد أباه!" وأب ساخط، وجدة رحيمة.


قد تشرح كلمة رحيم علاقة الجدة بهذا الطفل الأعمى فاقد أمه، فاقد مصدر الحب والحنان، فتكون هي مصدر الحب والحنان والرحمة بالنسبة له، وقد عبر المخرج في لقطات شديدة الانسانية عن هذه العلاقة.
وقد تشرح، وهي لب الموضوع، لفظة "ساخط" حال الأب. فالأب الذي كان ينتظر من الله أن يرزقه بولد يكون سنداً له، يرزقه بدلاً عنه بولد أعمى يزيد عليه أعباءه. ويرى الأب في هذا الطفل مصدر شقاءه وتعاسته وتعبه في الحياة، بل ومصدر نحس منعه من الحصول على العروس التي كان يتمناها. لذلك يسعى للتخلص منه بشتى الطرق، فكرة يحاول أن يتركه في مدرسته حتى في فترة الأجازة ولا يصحبه للبيت، وتارة يأخذه لنجار ليعلمه النجارة، حتى يصل للقرار الأخير، وهو التخلص منه نهائياً.

ونجد نهاية رائعة للفيلم، عندما يصطحب الأب ابنه وقد بيت النية على التخلص منه، ويبدو أن الولد قد استشعر ذلك، ولكن لم تكن لديه أي حيله لتغيير مصيره. وتتعجب كيف ينقلب حال الإنسان في لحظه، وكيف يرق القلب القاسي من مسة فـَقـْد.
فبينما يسير الأب بمحمد في قلب الغابة، ربما ليجد المكان الأمثل لإرتكاب جريمته، يسقط الحصان في النهر وهم يعبرون فوق جسر خشبي، ويسقط معه محمد. يقف الأب يتابع المشهد بعيون ذاهلة لا يفعل أي شئ، وكأنه يتابع مشهد النهاية لما كان يسعى له.
ولكن في خضم المشهد، وهو يتابع إبنه الأعمى وقد جرفه التيار الهائج للنهر، تأتيه تلك الـ "مسة" مسة الفقد، فتتحول ملامح وجهه من الذهول والمتابعة إلى البكاء والحزن، فيقف ويجري بطول الساحل وهو يصرخ بإسم إبنه، ثم يلقي بنفسه في الماء خلفه وينجرف وراءه، ويفقد أثره في الماء. ثم يستفيق الأب على صوت طيور الماء وقد ألقاه الموج على الشط، وينظر فيجد جسد محمد ملقى على الشط، فيجري نحوه ويحتضنه بين ذراعيه، ربما هي المرة الاولى التي يفعلها!، ويبكي بكاءاً مراً، بكاء الذنب وبكاء الفقد.
ربما جاءت الرحمة لقلب الأب متأخرة، وربما هو لم يفهم قدر الله وتدبيره، وصبغته في خلق خلقه وإدارة كونه.
ولكن الله الرحيم لم يشأ أن يعذب هذا القلب القاسي بعد أن منحه شعور الرحمة، إذ بينما يبكي وينتحب الأب وقد ظن أن ابنه مات، ينطلق في الفضاء صوت نقار الخشب، فنجد أن أصابع محمد بدأت في التحرك، لتمارس حركتها في حساب لغة نقار الخشب. فنعلم أنه مازال حي.
ربما محمد قد عانى فيما مر من حياته، ولكن الأكيد الأن أن القادم سيكون مختلف تماماً.
.

الثلاثاء، أكتوبر 04، 2016

صبــَاح


سأعْتـَنق شغف عصفور صغير
أيقظَ صُبْحـَه
ناشداً أحْلامـَـه
خلف أصْقــَاع الفضاء

وسأثقب قطرات النـَدى بخيوط نور
ناصِباٍ ايَّاها عُقـْداً سَرْميداً
حول أعْنـَاق البَهـَـاء


وساقْتفى أثر الضياءِ المُستكين
في قلوب المُبْكرين

بإبتسـَام
نحو أفْيـَاء الشقـَاء


فمن هنا يُجْتـَنَى خُبزُ الأمل
مثلما

تجني الفراشاتُ أنْفـَاس الزهور
ومثلما تُجْنـَى المبَاهج
من أهازيج المسَاء

.