الجمعة، ديسمبر 26، 2014

وقفة مع آية. 4



"قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ۚ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِين" الشعراء 49

  نظرية المؤامرة، والشكيك، من الحاجات المُتأصَّلة في الفكر المصري.
في قصة سيدنا موسى عندما ألقى عصاه وتغلـَّب على السَحَرة وآمنوا له، ربما كان فِعـْل فرعون والمصريين هو الفعل الأقرب للمنطق!
فالسَحرة، حسب جميع الروايات أو أغلبها، كانوا من بني إسرائيل المقيمين في مصر منذ قدومهم أيام سيدنا يوسف والذين أجبرَهم فرعون على تَعَلُّم السحر، وليسوا مصريين. وعليه فعندما يؤمنون بموسى، وهو منهم، فالطبيعي أن يشك الجميع في أنها مؤامرة، وأن موسى هو كبيرهم الذي علمهم السحر!
الفكرة أحيانا لا تكمن في التركيز على المهارة في البرهان بل على المقصود منه.
صحيح رأى المصريون ثعبان موسى يلقف ثعابين السحرة، ولكنهم لم يفهموا، فالفرق الذي رأوه هو فرق في المهارة بين مجموعة سَحَرة، فهُم، ومعهم موسى، رأوا حِبَال وعُصِي السَحَرة ثعابين، ولكن السحرة وحدهم هم من كانوا يعرفون ويرون حبالهم وعُصيَّهم حبال وعُصِي، ويرون ثعبان موسى ثعبان وليس عصا، كما يجب للساحر أن يراها.
فالسحرة هم من رأوا صدق موسى بمقابلة كذبهم، وقدرته الحقيقية بمقابلة قدرتهم الزائفة. ولكن المصريين رأوا كَذِبَان يتباريان.
فلا عجب أحيانا أن نرفض الصواب أو الحق أو الجمال أو الإستقامة، حتى ولو كان البرهان عليهم منطقي. فالأمر يحتاج أحياناً أن نتخطى الى ما فوق المنطق، أو لا نعتمده من الأساس.
..

الأربعاء، ديسمبر 24، 2014

وقفة مع آية 3




"وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا" النساء. آية 10.

  بعيداً عن التفسيرات المُتَعَارفة لهذه الآية، لإرتباطها بما قبلها وما بعدها من آيات، أرى في الآية أن الله لم يأمر من يخشى على أبناءه بعد الموت أن يجمع وأن يترك لهم مال أو أطيان، وهو ما يسعى له الجميع في زماننا وما قبله من أزمان، على أساس أن من يترك لأبناءه مال وأطيان سيضمن أنهم سيعيشون عيشة كريمة من بعده. ولكن الله أمر من يخشى على أبناءه من بعده أن يتقي الله، أن يكون من المتقين. وقد تتعجب، بماذا ستنفع تقوى الأب أبناءه؟ أليس ماله وأطيانه أفيد لهم من تقواه؟
ولكن بنظرة بسيطة في واقعنا، نجد أن كثيرين قد ترك لهم أبواهم المال الوفير ولكنهم أضاعوه وبددوه ولم يعيشوا العيشة الكريمة التي أرادها لهم أبواهم. وغيرهم لم يترك لهم أبواهم شئ، وتجد الله قد أكرمهم ومنَّ عليهم بعيشة كريمة.
إذ كثيراً ما نسمع عبارة: أنا بأعمل لك ده عشان خاطر أبوك.
أو: أبوك كان كريم معايا وعاوز أرد له حاجة من جمايله ومساعدته ليا.
وكأن من يتقي الله يُسخِّر الله لذريته من بعده من يعاونهم ويساندهم.

  ونجد مثال على ذلك في القرآن الكريم، في سورة الكهف، في قصة سيدنا موسى والخضر عندما أقام جداراً يريد أن ينقض، وعندما جاء تأويله لسيدنا موسى عن فعله قال:
"وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا" الكهف 82.
فما فعله الخضر للغلامين، بوحي من الله، فعله لأن أباهما كان صالحا.
ونجد هنا الترابط بالتضاد بين وصف الذرية في الأية الأولى "ذرية ضعافا" وبين الأجل المراد للغلامين بلوغه "يبلغا أشدهما". وكأن التقوى والصلاح ترعى الأبناء من مرحلة الضعف والصِغر لمرحلة الشِّدة والكبر.
وهذا هو نتاج صلاح الأب وتقواه، تفيد أبناءه أكثر مما قد تفيدهم أمواله وأطيانه.
..

الجمعة، ديسمبر 19، 2014

وقفة مع آية 2



استوقفني آياتان في سورة يوسف، الأولى على لسان إمرأة العزيز، وهي الأية رقم 53 :
"وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ"
والثانية على لسان أخوة يوسف، وهي الآية رقم 91 :
"قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَك اللَّه عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ"
..
الإعتراف بالخطأ أول طريق التصحيح، ولكن الإعتراف هذا يجب أن يكون مصحوب بتعليل الحالة، أي بإيراد معللات الخطأ وإثبات عكسها.
ففي الآية الأولى، بينما تثبت إمرأة العزيز أن نفسها قد سيطرت عليها وأمرتها بالسوء، تثبت في ذات الوقت أن يوسف كان من المستثنيين الذين رحمهم الله بأن عصمهم وهذب نفوسهم.
وكذا في الثانية، فإخوة يوسف يعترفون بخطيئتهم، من إلقاءه في الجب وتشريده، في الوقت الذي اصطفى فيه الله يوسف وآثره عليهم بالعلم والحكمة والروية.