الأحد، أكتوبر 26، 2014

الاعتقاد والإلحاد.

كثر النقاش في الأونة الأخيرة عن حرية المعتقد وعن الإلحاد. وهنا أقدِّم عرض مُبسَّط لرؤيتي في هذا الموضوع.
..
لا إنسان بلا مُعْتـَقـَد، ولا مُعْتـَقـَد يُؤمِن به كل البشر، نحن ببساطة في حاجة لتقبل هذه الحقيقة.
بداية، تـَوَفُّر الحُرية يضمن الحماية للعقيدة ومُعْتـَنقيهَا، والعقيدة الحَقـَّة تكـْفل لمُخالفها الحرية، وحرية العقيدة لا ترتبط بما يأمرك به دينك تجاه الأخر - المُغاير في الديانة والجنس- وفقط، بل بما تقبله وتأمرك به روحك، وبما ينـْتـَهجه فكرك.
فالبعض يتخذون من الدين - ديانتهم أو الديانات المغايرة لها- مُبرراً لتعصبهم وعدم تسامحهم مع الأخر المُغاير في الدين أو المعتقد، فديانته قد تزدري الأديان الأخرى، وقد يجد هو في الديانات الأخرى ما يستوجب ازدراءه لها وعدم تسامحه مع معتنقيها. ولكن في الواقع أن كل ما قد يسوقه المرء من مبررات لعدم تسامحه أو تقـَبُّله لحق الأخر في حرية الإعتقاد مثله، ما هي إلا مبررات تسوقها النفس البشرية الشريرة لتكره الأخر، أو لتتسلط عليه.

ودعونا نشير إلى نقطة هامة.
ففي الواقع أن توَفر حرية العقيدة كإيمان لا يعني توفر الحرية الكاملة في العقيدة كممارسة، وهذا قد لا يكون نتاجاً لإضهاد من مُغَاير وفقط، بل ربما من مُشابه أيضاً. فالمؤمن بديانة ربما هو اعتنقها بمحض إرادته وبحرِّية، ولكن هذا لا يعني أنه سيجد فيها الحرِّية.
ففي مجتمعاتنا تجد التسلـُّط الكهنوتي، إن صح التعبير، له تواجد كبير. فرجل الدين يمارس سُلطة، والمُتعصب يمارس سُلطة، والمُتهاون يمارس سُلطة، فتجد أن ما دخلته بحرية هو في الواقع منزوع الحرية، وأن من له الحق أن يكون سلطان عليك -الناموس أو شريعة الديانة- هو في الواقع عليه ألف سلطان!
وربما هذا هو ما جعل البعض يجنحون للإلحاد أو اللادينية.


وهو ما يسوقنا إلى موضوع الإلحاد في الثقافة العربية الإسلامية وفي الثقافة الغربية المسيحية.
فالناظر سيجد أن الإلحاد في الثقافة العربية قد ارتبط -في معظمه- بالرُسل، بينما في الثقافة الغربية قد ارتبط بالإله ذاته، وإن كانت النتيجة في الحالتين واحدة.
فالعربي رفض الرسول بحجج كثيرة ومتنوعة، مثل كونه بشر مثله، مع إقراره بوجود الإله، بينما الغربي قد رفض وجود الإله ذاته ونفاه.
وفي المجمل، نجد أن بعضهم رفض الإله الذي عرفه عن طريق العرض عليه، الإله الذي وجده في كتابه المقدس، أو حدَّثه عنه علماء اللاهوت والوعَّاظ والمبشرون. وربما لو تعرَّف على دين آخر يعرض الإله بشكل مُغَاير لاقتنع بوجوده ولآمن به.
 وربما بعضهم رفض الإله الذي حاول استخلاصه والوصل إليه بنفسه، مثل إبراهيم الذي نظر حوله وحاول اكتشاف وإيجاد ربه، ولكن إدراكه لم يستطع الوصول لاستخلاص كـُنـْه هذا الإله وماهيته ليصل إليه وليتعرف عليه، فبعض الأمور نعجز عن استخلاص كُنـْهها، ولكن عندما نُعَرَّف به يسهل علينا استقراء صفاته وهل هي مُقنعة أم لا، فأنت تعجز عن نقد ما لا تعرف كيف يُوجد، فإن عُرِّفـْت بكـُنـْه وجوده استطعت أن ترفضه أو تقبله.
وربما إن أمعنا النظر حولنا لوجدنا أن بعض رجال الدين أصبح همهم أن يعتنق الناس ديانة، حتى لو لم تكن هذه الديانة هي ديانتهم. فبعض قيادات الإسلام والديانة المسيحية والبوذية، ستجدهم يحثون على التسامح بين الأديان في إشارة واضحة لرغبتهم في أن يكون لدى الأشخاص وازع ديني يقودهم ويُهذِّب سلوكهم، بغض النظر عن ماذا يكون هذا الدين.
وفي الأونة الأخيرة تناولت وكالات الأنباء خبر من ألمانيا عن قساوسة ورجال دين ومسيحيين ساندوا المسلمين في بناء مسجد على أنقاض كنيسة قديمة، ولم يُغضبهم ذلك، بل كانت فكرتهم أن يكون المكان بيت لله، أيا ما كانت الديانة التى سَيُعبِّر المكان عنها. هم فقط يُطمئنهم أن المكان سيُعبِّر وسيدلل عن وجود الله.
وربما ما أزكى هذا التوجه في الغرب هو صعود الفلسفات الحديثة التي تقول بنسبية الأخلاق، أو بلامنطقيتها وانهيارها أمام نقد الواقع، كَون ما قد أجده أنا سيئ قد يكون مُرَحب به في مكان أخر من العالم والعكس صحيح، ورغم اتفاق البعض بأن هناك ثوابت يتفق فيها الجميع، وإن قلـَّت، فإن هذا لن يساعد على إيجاد وخلق مجتمع فاضل أخلاقي، كون الأخلاق تتعرض للنقد كونها اختيارات شخصية وتفضيلات شخصية. لذا وجد رجال الدين أن التغلب على ذلك لا يكون إلا بعرض أخلاق غير قابلة للنقد، وهذا القانون الأخلاقي أو هذه الأخلاق الغير قابلة للنقد لن توجد إلا إن كان مصدرها لا يحمل هوى شخصي ولم يُصغه عقل بشري قابل للنقد، أن يكون مصدرها ناموس إلهي. أي إلا إن كان مصدرها دين.
إذن فلابد من إيجاد دين، ولإيجاد دين لابد من وجود إله.
..

عندما تناول الفارابي مسألة وجود الله اثبت وجود الله بالوجود نفسه. إذ قسَّم الموجودات قسمان -وكان لغيره من فلاسفة ومُتَكـَلِّمة المسلمين تقسيمات أخرى وتنويعات أخرى مضافة على لفظة الوجود- واجب الوجود وممكن الوجود، وواجب الوجود إما أن يكون واجب الوجود "بالذات" أو واجب الوجود "بالغير"، وهو الممكن إذا وُجد.
والممكن الوجود بـ "ذاته" لابد لوجوده من علة، فإذا وجد بعلـَّة، كان واجب الوجود بـ "غيره"، وهي العلة.
فالنور مثلاً ممكن الوجود بذاته، ولكنه لا يوجد بالفعل إلا إذا وجدت لوجوده علة، كالشمس مثلاً، فإذا وجدت الشمس صار النور واجب الوجود بغيره، وهو ممكن الوجود بذاته.
(( وإذا نظرنا لقضايا وجودية كثيرة، كمسألة الشر مثلاً، وتساءلنا، هل الشر واجب الوجود بذاته أم واجب الوجود بغيره أو ممكن الوجود بذاته أم ممكن الوجود بغيره؟
فإذا نظرنا لوجود الشر وجدنا أنه يوجد عند انحصار أو انعدام الخير، وعليه فهو ممكن الوجود بغيره لا واجب الوجود بذاته ولا ممكن الوجود بذاته، ولكنه يصير واجب الوجود بعلة انعدام الخير. ولكن هذا ليس موضوعنا.))
والممكن الوجود بغيره يحتاج إلى علة توجده، ولأن العلل لا يمكن أن تتسلسل إلى غير نهاية، فالأشياء الممكنة الوجود تنتهي إلى شئ واجب الوجود، وهذا الواجب هو الموجود الأول، الواجب الوجود بذاته، يُعطي الوجود إلى من لا يستطيع أن يعطي ذاته الوجود. وهو تفضي طبيعته بوجوده، لأنه بنص ما قال الفارابي "إذا فـُرضَ غير موجود لزم منه مُحال"، فلا يجوز كون بغير وجوده لأنه السبب الأول لوجود كل شئ.

وهنا ربما تتشابه رؤية الفارابي لرؤية الكندي، الذي توفي قبل ميلاد الفارابي بسنوات قليلة، فمعظم المصادر تقول أن الكندي توفي عام 256 هجرية، والفارابي ولد 259 هجرية، فالكندي الذي تناول فكرة الوجود والعدم ووجود الله، وجد أن الله هو القادر على "تأييس الأيسات عن ليس"، وأيـْس خلاف ليـْس، بمعنى وجود وعدم وجود، وكان العرب قديما يقولون: ائت به من حيث أيس وليس، أي من حيث يكون أو لا يكون، أي إيجاد الموجودات من العدم، أي خلق المخلوقات من العدم. وهو الخلق الأول للموجودات، الممكنة الوجود بذاتها والواجبة الوجود بغيرها على نحو ما وضحنا بالأعلى، وجميعها لا توجد إلا بعلة تنتهي إلى الشئ الواجب الوجود بذاته، وهو الله.

ربما جاء اثبات الفلاسفة المسلمين لوجود الله على هذا النسق انطلاقاً من وصف الإسلام والله ذاته في كتابه الكريم بأنه ليس كمثله شئ وأنه على كل شئ قدير، وأن أمره للشئ بأن يقول له كن فيكون، وكذا بمراجعة الخلق والتكوين كما ذكره الله في القرآن الكريم، وحركة الكون والأجرام السماوية وغيرها من الطبيعيات المتعلقة بالكون والحياة، فربما معرفة الكون والحياة المعرفة الحقة تقود لمانح الحياة ومُسيِّر الكون.
قد يبدو هذا انسياقا خلف نص ديني أو تنويعات على مضمونه ومعناه وبالتالي لن يخرج عن نطاق ما يدعو -أي النص الديني- للتسليم به، أي وجود الله ووحدانيته. ولكن المُتأمل سيجد أنه ولو حتى كانت النتيجة واحدة، فقد وضع عمل هؤلاء الفلاسفة وأوجد لهذه الحقيقة وهذه النتيجة برهان عقلي مبني على منطق علمي لا على مجرد حدس أو تخمين لامنطقي أو تسليم عن عجز أو لامبالاة.

بالتأكيد هناك فلاسفة أخرون تناولوا هذا الموضوع، مثل ابن رشد والغزالي وابن سينا وغيرهم، وغير هؤلاء جميعا من الفلاسفة الغربيين، مثل توما الإكويني بالعصور المبكرة، والذي يقول بعض الباحثين انه استعان بفلسفة ابن رشد وابن سينا "وابن سينا كفـَّره البعض ومنهم الغزالي!" لإثبات وجود الله - وخاصة فكرة "المُحَرِّك الأول" التي كانت واحدة من البراهين التى ساقها الفلاسفة والطبيعيون المسلمين، ومن قبلهم أرسطو لإثبات وجود إله- ومثل ديكارت ولايبنتز وكانط في العصر الحديث.
..
لكن الأكيد بعد هذه الأدلة العقلية فإن وجود الله يحتاج لقلب وروح، لا لعقل وفكر فقط. وربما هذا ما جعل الغزالي يُكَفـِّر ابن سينا، فابن سينا قد افترض فرضيات -مثل إلمام الله بالكليات دون الجزئيات- وجدها الغزالي بإيمانه، القلبي والروحي قبل العقلي، بمدى قدرة الله، كُفر. وفي الحقيقة لو أنصف هو وغيره لأعتبر هذا مجرد "قصور" عقلي في البرهان على قضية أعقد من أن يحيط العقل البشري بجميع جوانبها، وأنها كانت فقط تحتاج لقلب يوقن ببرهان الإحساس لا لعقل يأبي إلا أن يقتنع.
..

هناك تعليقان (2):

  1. جميل طرحك يااحمد

    وفوق كلامك الرائع لا ننسى الهدايه فالهدايه للايمان بوجود الرحمن هبه من الرحمن

    جميله فلسفتك وتحليلك .. كل الود

    ردحذف
  2. بكل تاكيد سومه، الهداية من الله نعمة وفضل.
    ..
    دوما أسعد واتشرف بوجودك.
    كل الود والتحية.

    ردحذف

فضفض و قول اللي في ضميرك
مشتاق صديقك لأي قول